مقدمة الكتاب
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وحلمًا وحكمة، إنك أنت العليم الحليم الحكيم، رب اشرح لي صدري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
وبعد يسرني أن أقدم للقارئ الكريم مجموعة منتقاه من جوامع الكلم النبوي الشريف اخترتها من كتابي الأشهر صفوة الأحاديث النبوية الشريفة وهي الأحاديث التي اتفق على صحتها عدد من أئمة الصحيح، وذلك بعد النجاح الذي حققه كتاب الصفوة وهو المرجع الموسوعي الشامل الذي شرفني الله بجمعه وإعداده وتبويبه وشرح غريبه قبل سنين والذي قوبل بفضل الله بالقبول والترحاب لدى الأوساط العلمية العربية والإسلامية في العالم أجمع، نظرًا لاحتوائه على أهم وأقوى الأحاديث النبوية التي لاشك في صحتها نظرًا لاتفاق عدد من أئمة الحديث الصحيح على صحتها وهي الأحاديث التي يحتاجها المسلم في دينه ودنياه، وقد رَكَّزتُ في كتاب الصفوة على الأحاديث المتعلقة بالعقائد والعبادات والأحكام والحِكَم النبوية، والترغيبِ والترهيبِ والفضائلِ والشمائلِ والآداب والعلم والطب والتفسير وأخبار الفتن وأشراط الساعة، وأوصاف يوم القيامة والجنة والنار وكلُّ ما ينفع المسلم في دينه ودنياه، وغير ذلك من المواعظ والرقائق،.. ليكون مَرْجِعًا حديثيًا سهل المَنال، قريبًا إلى أيدي الباحثين، وليكون كتابًا وثائقيًا تظهر فيه الأحاديث المتفق على صحتها بين أئمة الحديث ممهورة برموز أهم مخرجيها إن شاء الله تعالى.
وهو الكتاب الذي قرظه العديد من العلماء والمحدثين والمفكرين واعتبروه مرجعًا حديثيًا معاصرًا متكاملًا من حيث اشتماله على أصح الأحاديث النبوية وأقواها سندًا ومتنًا وهو كتاب لم أُسبق إليه ولم يكتب في بابه وعلى منواله مثله، وبعد الطبعة الرابعة عشرة منه رأيت أن هذا الكتاب وعلى الرغم من أهميته ومكانته العلمية كمرجع وفهرس متكامل لأصح الأحاديث النبوية الشريفة لمن أراد التأكد من صحة الأحاديث النبوية إلا أنه يهم الطبقة العلمية والفكرية من طلبة العلم والعلماء والمحدثين على الأغلب، ونزولًا عند رغبة بعض إخواننا من أهل العلم والفضل وطلبهم تلخيص كتاب الصفوة نظرًا لوجود بعض الأحاديث المكررة فيه بسبب اختلاف أوائلها أو زيادة كلمة أو كلمات بها أو اختلاف الرواة في نصوص بعضها مع تطابق أو تقارب المعنى مما اضطرنا أن نحذفها في جوامع الكلم النبوي، وذلك ليسهل اقتناؤه وحفظه لمن أراد الحفظ أما من أراد مجموعة الأحاديث التي لا شك في صحتها فعليه العودة لكتاب صفوة الأحاديث النبوية الشريفة كاملًا، بحيث يكون كتاب جوامع الكلم النبوي الشريف سهل التناول والاقتناء لمختلف أنواع الطلبة والدارسين للعلوم الدينية والدنيوية وذلك لإظهار روائع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وجوامع كلمه وسننه التي إن اطلع عليها المؤمن أو غير المؤمن والناقد سيظهر له جليًا الفتح الرباني الذي منحه الله للرسول الأمي صل اللهم عليه وسلم والتي شكلت بمجملها الأحاديث الحكيمة البالغة الروعة والتي لا تصدر إلا عمن اصطفاه الله ليكون رحمة للعالمين مصداقًا لقول البارئ عز وجل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وقال عن نفسه صلوات ربي وسلامه عليه (إنما أنا رحمة مهداة) هذه الأحاديث التي تؤكد هذه المعاني وتتوافق مع الحكم والقيم والأخلاق الإسلامية والإنسانية النبيلة الرائعة والتي سيقدرها ويحترمها كل مفكري وعلماء العالم المنصفين الشرفاء.
كذلك أردت توجيه هذه الحكم والروائع المحمدية لإخواننا المغتربين في ديار الغربة لمحاولة تقديمها كنصوص إسلامية مقدسة، وأرجو من كل متمكن منهم محاولة ترجمته للغات الحية في بلادهم، وذلك توطئة لتقديم الفكر الإسلامي العملاق كرسالة عالمية فيها الرحمة والحب والإخاء لدعاة التعايش المبني على السلام والعدالة والأخلاق الفاضلة.
وحيث أن سنة الرسول الكريم ﷺ لها دورها الفريد والمميز في بناء الحضارة العربية والإسلامية ولها مكانتها الأساسية في التشريع الإسلامي، وقد جاء الأمر الإلهي الصريح بضرورة الالتزام بتعاليم المصطفى ﷺ، حيث قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد خصه الله عز وجل بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وبقوله للمؤمنين ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
هذا وقد أمر الباري عز وجل رسوله الكريم ﷺ أن يبلغ ما أنزل إليه بقوله ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وفي آيات أخرى يوضح الحق جل وعلا أنه أنزل الذكر الحكيم على رسوله الكريم ليبينه ويوضحه للناس بقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ويؤكد الحق تبارك وتعالى على أن من ابرز صفات المؤمن أن يلتزم بما قضى الله ورسوله بقوله في محكم التنزيل ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ ويؤكد سبحانه وتعالى على أن الرسول الكريم ﷺ لا ينطق عن الهوى، إنما بتوجيه من وحي إلهي بقوله ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ كما أمر المؤمنين بطاعته وقرن طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله عز وجل حيث قال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وهنالك العديد من الآيات الأخرى التي تحض المسلم على اتباع تعاليم الرسول ﷺ واجتناب نواهيه والتمسك بسنته.
ومما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وأن سنة النبي ﷺ من أقوال وأفعال هي المصدر الثاني، فهي الموضحة لأحكام القرآن الكريم التي تخصص عامه أو تقيد مطلقه أو تفسر مجمله، بل إنها قد تنفرد بتشريع أمور لم ترد في القرآن الكريم أصلًا، ولهذه المكانة أولاها علماء الأمة وأئمتها العناية الفائقة، وأنفقوا في جمعها وضبطها الغالي والنفيس، وتفننوا في جمع الحديث النبوي وترتيبه حسب مقاصدهم وأهدافهم، وارتحلوا إليه واشتغلوا بتدوينه وتبويبه.
وقد بدأ ذلك بقيام الصحابة الكرام بحفظ الحديث الشريف في صدورهم وأودعوه سويداء قلوبهم، فكانوا يتسابقون لحفظه والتثبت منه، لأن الرسول الكريم ﷺ منعهم أولا من كتابته في أيام الدعوة الأولى، خشية اختلاطه بالقرآن الكريم، وبعد ذلك سمح صلوات الله عليه بالكتابة لبعض الصحابة، من أمثال علي بن أبي طالب، وأبي شاه، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم، ومن ثم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، بعد ما قال له بعض الصحابة حينما رأوه يكتب كل شيء يصدر عن الرسول ﷺ أتكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ورسول الله بشر يقول في الغضب والرضا، فذكر ذلك للرسول ﷺ فقال له (اكتب، فو الذي نفسي بيده، ما خرج منه -وأشار إلى فيه- إلا حق)، وقد أكد ذلك أبو هريرة بقوله (ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) وقد اشتهرت كتابة عبد الله بن عمرو بن العاص بين الصحابة وسموها بالصحيفة الصادقة، كان ذلك كله دليل اهتمام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وحرصهم على حفظ أقوال الرسول الكريم ﷺ وأفعاله عن ظهر قلب، حتى اتخذوها منهجًا عمليًا وسنة فعلية لهم في كل شاردة وواردة، وساعدهم على ذلك، حوافظهم القوية، وقلوبهم الصافية، بالإضافة لقيام عدد منهم بكتابة الكثير من الأحاديث، بحيث شكل مجتمع الصحابة في المدينة المنورة الصورة الكاملة للمجتمع الإسلامي الأول، المتمسك بالسنة المشرفة، وانتقل ذلك كله مع الصحابة رضوان الله عليهم إلى مجتمعات التابعين، حيث قام كبار رواة التابعين بنقل هذه الكنوز العظيمة والذخائر النفيسة إلى الأجيال الآتية من بعدهم.
ولما انتشر الإسلام، واتسعت الدولة الإسلامية وتفرق الصحابة في الأمصار، دعت الحاجة لتدوين الحديث في كتب مصنفة متكاملة، ومن أوائل من اهتم بهذا الأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز فأصدر أمره إلى عماله وعلماء الأمصار بتدوين الحديث وجمعه وأول من باشر بذلك ابن شهاب الزهري (124هـ) وابن اسحاق (ت151) وسفيان الثوري (ت161) ومن أشهر الكتب التي وصلتنا من تلك الحقبة موطأ الإمام مالك (93-179) ثم مصنف عبد الرزاق (ت211) ومصنف ابن أبي شيبة (ت 235) وغيرهم، ثم دخلت مرحلة جديدة من مراحل تصنيف الحديث الشريف، وكان منهم من يجمع كل ما روي عن الرسول ﷺ فألفوا المسانيد وهي كتب تضم أحاديث الرسول ﷺ بأسانيدها بدون تمييز بين الصحيح وغيره، ومن أوائل من ألف المسانيد الإمام أحمد (المولود 164 والمتوفى 241) وعثمان بن أبي شيبة (156-239) وغيرهم، ومنهم من أفرد الصحيح بالجمع دون الضعيف، وأول من صنف بهذه الطريقة الإمام البخاري (256) ثم الإمام مسلم (261) وسار على منهجهم عدد من الأئمة الأعلام ثم عمت المؤلفات الحديثية بكافة أشكالها وصورها، فكان فيها المسانيد والصحاح والسنن والمستدركات والمستخرجات ثم الجوامع وغيرها من كتب الحديث ومصطلحه على اختلاف أنواعها ومراتبها، فكانت بمجملها فيما بعد نواة علوم الحديث رواية ودراية.
هذا ولم يبلغنا أن علمًا من العلوم في التاريخ حظي باتصال الأسانيد بالثقاة العدول الضابطين، لهذه المَكَانَةِ الجَلِيلَةِ التي حَظِيَتْ بِهَا السُّنَّةُ النَّبويَّةُ، أولاَهَا عُلَمَاءُ الأُمَّةِ وأَئِمَّتُهَا العِنَايَةَ الفائِقَةِ، حتى تَمَكَّنُوا مِن تَكْوِينِ مَكْتَبَةٍ هَائِلَةٍ قَلَّ نَظِيرُها في التاريخ، فتفَنَّنُوا في جَمْعِ الحَدِيثِ النَّبَويِّ وتَرْتِيبِهِ، وقد بَدأَ ذلكَ منذُ الأَيَّامِ الأُولَى للدَّعْوَةِ النَّبويَّةِ، وقد وصلت إلينا مئات الكتب الحديثية، وأغلب هذه الكتب فيها الصحيح والحسن والضعيف وبعض الموضوع.
ولا أخفيكم أنني ومن بداية حياتي الفكرية كانت هوايتي المفضلة القراءة ودراسة كتب السنة والأحاديث وكثيرًا ماكنت أجد نفسي في غايَةِ الغِبْطَةِ والسُّرورِ وأنا أَتَناوَلُ أحاديثَ المُصْطَفَى، بالدِرَاسَةِ والتَّأَكُّدِ والتَّحليلِ، إلا أن ما كان ينغص علي غبطتي وسروري وجود بعض الأحاديث الإشكالية التي لا تنسجم مع مقاصد الشريعة الغراء، وكثيرًا مَا كُنْتُ أُطَالِبُ العُلماءَ والمُحدِثِينَ أَنْ يُتْحِفُونَا بكتاب واحد يَجْمَعُ بينَ دَفَّتَيْهِ أَهَمَّ وأقوى الأحاديث النَّبوِيَّةِ الصَّحيحةِ التي يحتاجها المسلمُ في دينه ودنياه، وذلك أَنَّ طَالِبَ العِلْمِ الذي يَبْحَثُ عَن حديثٍ مَا في كُتُبِ الحَدِيثِ المُخْتَلِفَةِ غَالِبًا مَا يَجدُ نَفْسَهُ أَمامَ مَجْموعَةٍ هَائِلَةٍ جِدًّا مِنَ الأحاديثِ تَتَجاوزُ المِئةَ ألفِ حديث، والتي تَخْتَلِفُ آراءُ الأَئِمَّةِ حَوْلَ دَرَجَةِ صِحَّةِ كُلِّ مِنْهَا أو ضَعْفِهِ، وَكُنْتُ أسائِلُ نَفْسِي؛ أَنْ كَيْفَ يَتَمَكَّنُ الْمُسْلِمُ مِن الاطِّلاعِ على ثاني أهمِّ مَصْدَرٍ لِشَرِيعَتِهِ بينَ عَشَراتِ الأُلُوفِ مِنَ الأحَاديثِ التي يَتِيهُ الْمُتَخَصِّصُونَ في بُحُورِهَا......؟!
مما دعاني لإعادة دراسة أهم كتب الحديث المشهورة رواية ودراية وتابعت بحثي المتواضع إلى أن اكتشفت أن قلة من المحدثين، قد اشترطوا الصحة في كتبهم ووضعوا شروطًا وضوابط لقبول الحديث، وأهمهم الذين ذكرهم الإمام السيوطي في مقدمة كتابه الجامع الكبير وأشار إلى أن كتبهم (معلم عليها بالصحة) وقد أكد هذا المعنى سيدي الجد الإمام المحدث محمد بن جعفر الكتاني في كتابه الرسالة المستطرفة في بيان مشهور كتب السنة المشرفة فقال: (ومنها كتب التزم أهلها الصحة فيها)، فهؤلاء الأئمة قَد بَذَلُوا الغَالِيَ والنَّفِيسَ مِن وَقْتِهم و مَالِهِم وجُهْدِهِم لِيَتَأَكَّدُوا مِن صِحَّةِ كُلِّ شَاردَةٍ وَوَارِدَةٍ عن النبي ﷺ، وقد اتَّفق أغلب أئمة الحديث على تَقْسيمِ الحَديثِ النبوي إلى ثلاثةِ أنواعٍ رئيسةٍ هيَ:
الصحيحُ، والحَسَنُ، والضعيفُ، وإليكم التَّفصيلُ:
أولًا: الحديثُ الصّحيحُ هوَ الذي رَواهُ العَدْلُ الضّابِطُ عَن العَدْلِ الضّابِطِ إلى منتهاه، وهو ثلاثة أقسام:
الحَدِيثُ المُتواتِرُ وهو الذي رواه جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب.
الحَدِيثُ المَشْهُورُ هو الذي رواه ثلاثة من الرواة الثقات على الأقل.
حديث الآحادِ وهُوَ الحَديثُ الصحيحُ الذي انْفَرَدَ بِرِوايتِهِ ثقة وَاحِدٌ.
ثانيًا: الحَدِيثُ الحَسَنُ وهُوَ مَا اشْتَمَلَ مِن صِفَاتِ القَبُولِ على أَدْنَاها.
ثالثًا: الحَدِيثُ الضّعِيفُ وهُوَ مَا لَم يَشْتَمِلْ مِن صِفَاتِ القَبُولِ على شَيْءٍ وهو على أقسام كثيرة.
أما الأحاديث القدسية وهِيَ الأحاديثُ التي يَرْويهَا الرَسولُ ﷺ عَن البارئِ عَزَّ وَجَلَّ وهَذِهِ الأحاديثُ كَغَيْرِهَا مِنَ الأحاديثِ النبوية فيها الصّحيحُ والحَسَنُ والضّعيفُ وبعض الموضوع.
على ضَوْءِ هذهِ الدِراسَاتِ الحَدِيثِيَّةِ المُستَفِيضَةِ رَكَّزْتُ في كِتَابِي الأوّل صَفْوَةُ الأَحَادِيثِ النبوِيَّةِ على الأحَادِيثِ التي اتَّفَقَ على صِحَّتِهَا عَدَدٌ مِن أَئِمَّةِ الصحيح، فَعِنْدَمَا يكونُ الحَديثُ مَمْهورًا بتَخْرِيجِ عَدَدِ مِن أَئِمَّةِ الحَديثِ الصحيح على اختلافِ أفكارِهم وأَمْكِنَتِهم وأَزْمِنَتهم، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ بَذَلَ مَا أَمْكَنَهُ للتَّأكُّدِ من صِحَّةِ نِسْبَتِه للرَسولِ الكَرِيم عليه الصلاةُ والسلامُ، مِمَّا يُعْطِي بُعْدًا فكريًّا وجُغْرَافِيًّا وتاريخِيًّا لِتَوْثِيقِه، وبالتالي يَرْفَعُ أحاديث صفوة الأحاديث، إلى رُتْبَةِ اليَقِينِ القَطْعِيِّ بصِحَّةِ نِسْبَتِها للرَسول الكريم ﷺ، إذْ من غَيْرِ المُمْكِنِ اجتماعُهُم على الخَطأ أو التَسَاهُلِ أو الدَسِ عليهم مُجْتَمِعِين، فحين ما نعلم مثلًا أن الحديث الشريف «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» قد أورده أكثر من عشرة من كبار أئمة الحديث الصحيح، فإنَّ هَذَا يَدْفَعُنَا إلى الجَزْمِ بِكَوْنِهِ مِن أَصَحِّ الصِحَاح.
ومن هنا قلت أن ثقتنا بصحة حديث ما تزداد بازدياد عدد مخرجيه من أئمة الحديث الصحيح، فكانت هذه الصفوة الرائعة من الأحاديث التي اتفق على صحتها عدد من أئمة الصحيح، وهي بحدود أربعة آلاف حديث غطت فروع الشريعة الغراء من عقائد وعبادات ومعاملات وعقوبات وآداب وأخلاق وإدارة وغيرها، وجميعها لا يخالف القرآن الكريم أو مقاصد وثوابت الشريعة الغراء أو العلم القطعي الثبوت.
وقد أوردت عَلَامَاتِ الأَئِمَّةِ حَسْبَ أَقْدَمِيَّتِهِمُ الزَّمَنِيَّةِ، في كتابي هذا، وأوردُ فيما يَلِي أَهَمَّ الرُّمُوزِ التي اختَرْتُهَا لأَئِمَّةِ الحَدِيثِ رضوان الله عليهم، والتي اتَّفَقَ عليهَا أَغْلَبُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَهِيَ:
(خ) للبخاري، (م) لمسلم، (ق) للمتفق عليه بينهما، (د) لأبي داوود، ت(للترمذي،) ن(للنسائي،) هـ (لابن ماجه، (الأربعة) لهؤلاء الأربعة، (الثلاثة) لهم عدا ابن ماجه، (حم) لأحمد بن حنبل في مسنده، (عم) زوائد ابنه عبد الله، (ك) الحاكم في مستدركه، (حب) لابن حِبَّ ان في صحيحه، (خز) لابن خُزيمة في صحيحه، (طب)، (طس)، (طص) للطبراني في الكبير والأوسط والصغير، (ص) لسعيد بن منصور في سُننه، (خد) للبخاري في الأدب، (تخ) للبخاري في التاريخ، (ض) للضياء المقدسي في المختارة، (فعي) للشافعي في مسنده، (ش) لابن أبي شيبة في المسند المصنَّف، (عب) عبد الرزاق في الجامع والمصنَّف، (ع) لأبي يَعلى في مسنَده، (قط) للدار قطني في السنن والأفراد، (فر) للديلمي في الفردوس، (حل) لأبي نُعيم في الحلية، (هب، هق) للبيهقي في شُعب الإيمان والسنن والمعرفة ودلائل النبوة والأسماء والصفات، (عد) لابن عدي في الكامل، (عق) للعقيلي في الضعفاء، (خط) للخطيب في الجامع والتاريخ، (مي) للدارمي في سُننه، (ط) للطيالسي في مسنده، (كر) لابن عساكر في تاريخه، (بز) للبزار في سُننه.
وقد اخترت هذه الروائع من الأحاديث النبوية من كتابي صفوة الأحاديث النبوية الشريفة وأسميتها جوامع الكلم النبوي الشريف وفيها صفوة الصفوة وقمة الروائع الحديثية التي تؤكد عظمة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته وعلمه وعالميته وحلمه وشجاعته ومحاربته للظلم والظالمين واحقاقه للحق وازهاقه للباطل لتكون نبراسا لأبنائنا وللأمة كلها.
وإني لأرجو اللهَ صادِقًا أَنْ أَكُونَ قَد قَدَّمْتُ للإسلام العظيم بِوَجْهِ عام ولِلسُّنَّةِ النَبَوِيَّةِ المُشَرَّفَةِ بِوَجْهِ خاص؛ عَمَلًا جَليلًا مِمَّا يُسْهِمُ إِنْ شاءَ اللهُ فِي تَوْحيدِ شَمْلِ المُسلِمينَ، وَيُقربُ الإسلام بـ رُوحانِيَّتِهِ الخَالِدةِ من قُلوبِ المثَقَّفِينَ وعُقُولِ المفكرينَ الشُّرَفَاء في مَشَارِقِ الأرضِ ومَغَارِبها، واللهُ يقولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي سواءَ السَّبِيلِ والحمدُ لله القائل وَفَوق كُل ذِي عِلْمٍ عَلِيم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الأستاذ الدكتور عبد القادر المكي الكتاني
مستشار وأستاذ الهندسة والدراسات الإسلامية العليا
قَالَ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»